ابن حزم

837

الاحكام

مالك وأبي حنيفة والشافعي ، فإنهم إنما يأخذون من الحجاج ما وافق مذهبهم وإن كان خبرا موضوعا أو شغبا فاسدا ، ويتركون ما خالفه ، وإن كان نص قرآن أو خبرا مسندا من نقل الثقات . والعجب أنهم ينسون التقليد ، ويقولون : إن المقلد عاص لله ، ويقولون : لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة ، ويقولون : ليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك ، ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول صاحبهم بوجه من الوجوه . وأما أهل بلادنا فليسوا ممن يتغنى بطلب دليل على مسائلهم وطالبه منهم ، في الندرة ، إنما يطلبه كما ذكرنا آنفا ، فيعرضون كلام الله تعالى ، وكلام الرسول عليه السلام على قول صاحبهم ، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب ، فإن وافق قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم قول صاحبهم أخذوا به ، وإن خالفاه تركوا قول الله جانبا وقوله صلى الله عليه وسلم ظهريا ، وثبتوا على قول صاحبهم ، وما نعلم في المعاصي ولا في الكبائر ، بعد الشرك المجرد ، أعظم من هذه ، وأنه لأشد من القتل والزنى . لان فيما ذكرنا الاستخفاف بالله عز وجل ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالدين ، ولأن من ذكرنا قد جاءته موعظة من ربه فلم ينته ، وعاد إلى ما نهي عنه ، وعرف أنه باطل ، فتدين به واستحله وعلمه الناس ، وأما القاتل والزاني فعالمان أن فعلهما خطأ ، وأنهما مذنبان ، فهما أحسن حالا ممن ذكرنا ، وقد قال تعالى : * ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار فيها خالدون ) * . هذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد ، وأنهم قد نهوا أصحابهم عن تقليدهم ، وكان أشدهم في ذلك الشافعي ، فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار ، والاخذ بما أوجبته الحجة ، حيث لم يبلغ غيره ، وتبرأ من أن يقلد جملة ، وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره ، فلقد كان سببا إلى خير كثير ، فمن أسوأ حالا ممن يعتقد أن التقليد ضلال ، وأن التقليد هو اعتقاد القول قبل اعتقاد دليله ، ثم هم لا يفارقون في شئ من دينهم ؟ وهذا مع ما فيه من المخالفة لله عز وجل ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم نعوذ بالله من الخذلان